المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة

الانتقال الديمقراطي: دروس من ألمانيا وأوروبا لتستفيد منها مصر

ملاحظات للعرض المقدم في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – 16 يوليو 2012


1- الحتمية الليبرالية و"موجات الديمقراطية"

يعتبر نظام الحكم الديمقراطي نظامــًا حديثــًا من الناحية التاريخية. واليوم يوجد توافق سياسي عالمي على نطاق واسع على أفضلية الديمقراطية كنظام حكم سياسي، وذلك باستثناء مجموعات صغيرة وهامشية ترفض الديمقراطية صراحة. ويعتبر ذلك التوافق خطوة كبيرة للأمام إذا ما قورنت بالوضع القائم إبان عصر "الحرب الباردة" مع قيام المواجهة مابين النظم الديمقراطية والنظم الشيوعية آنذاك. وقد وضعت سلسلة "الانتقالات الديمقراطية" حدًا لذلك الصراع التاريخي مابين النظامين.

نحن نؤمن أن التاريخ عملية ديناميكية، حيث يوجد لدينا عددًا من المناهج الفلسفية والتي ينظر كل منها لنهاية التاريخ. وبصفتي ليبراليــًا فأنا أؤمن بأن البشر كافة يطمحون للحرية، ويكافحون من أجلها بالتالي، وبنهاية الأمر سيقود كفاحهم هذا إلى الوصول لمجتمعات أفضل وأكثر حرية وحتى أكثر ديمقراطية. وقد أثبت التاريخ – حتى الآن – صحة تلك النظرية المسماة بالحتمية الليبرالية، فعلى مدار آخر مائتي أو ثلاثمائة عام تزايد عدد المجتمعات والشعوب التي انتقلت للعيش في ديمقراطية.

ولدينا عالم السياسة الأمريكي الشهير صموئيل هانتينجتون والذي لا يرى في تاريخ الديمقراطية تطورًا بطيئــًا وثابتــًا، لكنه يراه سلسلة من "الموجات". وقد حدد هانتينجتون في كتاباته ثلاث موجات للديمقراطية. وقد شهدت بلدان مختلفة تلك الموجات الديمقراطية والتي شكلت في كل منها على حدة إنتقالا نحو الديمقراطية.

2- تعريف "الانتقال الديمقراطي"

ينص التعريف الشائع للديمقراطية على كونها "حكم الشعب". فهي نظام سياسي يتم فيه تحديد القائم بالسلطة السياسية من خلال الانتخابات. وتنطوي الديمقراطية على مشاركة المواطنين في شئون بلادهم بدرجات تتفاوت في قوتها. وقد تتطورت على مدار السنين أشكال وصيغ عدة للممارسة الديمقراطية.

كما تنطوي عملية الانتقال على التغير والتطور من نظام قائم إلى نظام آخر. فالإنتقال الديمقراطي يحدث إذا ما تبنى النظام تغيرًا نوعيــًا من الطبيعة السلطوية إلى الديمقراطية الإنتخابية، أو حتى من الطبيعة شبه السلطوية إلى نظام ذات طبيعة أكثر ديمقراطية.

3- متغيرات الانتقال الديمقراطي

لدينا إرث كبير من الأدبيات الخاصة بما يسمى "علم الانتقال" نشأ من دراسات العلماء للصيغ والأشكال المختلفة للانتقال، ولدينا نموذجين اعتبرا هما الأبرز:

التمزق – أو الانتقال من خلال التداعي والانهيار
التحول – أو الانتقال من خلال التوافق والمفاوضات 1
في أوروبا نرى الجارتين الأيبرينتين – أسبانيا والبرتغال – كأفضل مثال للنموذجين.
اختبرت البرتغال "الانتقال بالتداعي" بعد فشل الحرس القديم – ممثلا في الجناح العسكري الحاكم – في الوصول للتوافق مع المعارضة المتنامية القوى، مما أدى إلى التصعيد والراديكالية مع نجاح المعارضة في السيطرة وفرض الطابع الثوري على كافة المؤسسات الموجودة.

أما أسبانيا فقد اختبرت انتقالا من خلال التحول، حيث نجح النظام الديكتاتوري القديم في الوصول لتوافق مع المعارضة الديمقراطية، وهو مالم يأت بنتيجة ثورية لكن نجح في إحداث تغيير تدريجي (ومحدود). تم الإبقاء على النظام الملكي، كما تم الإبقاء على الصلاحيات التي تمتع بها كل من الكنيسة الكاثوليكية والجيش. لم يشكل الإنتقال في تلك الحالة هجومـًا على السلطات المترسخة والصلاحيات الثابتة، ولا على النظام الإقتصادي والإجتماعي.

في أوروبا: اليونان وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا ساروا على خطى النموذج البرتغالي. أما المجر وبولندا فقد اتبعتا نظام الإنتقال التدريجي والذي أدى إلى إدخال عددا كبيرا من الإصلاحات وفكك – بشكل تدريجي – النظام القائم على حكم فئات بعينها. أما في العالم العربي فأنا أرى أن الإنتقال الجاري حاليا في مصر يتسم بكونه انتقالا قائما على المفاوضات والتوافق. أما في حالة ليبيا وسوريا فالوضع يبدو لي أكثر اتجاها للإنتقال من خلال التمزق والتداعي.

4- العوامل المحفزة للانتقال الديمقراطي

يوجد عدد من العوامل ذات الأثر على التطور السياسي في دولة ما، وهي عوامل سياسية واقتصادية ومجتمعية وحتى تكنولوجية. وللوصول لفهم أفضل لتعقيدات تلك العملية فإننا بحاجة إلى رؤية التطور من خلال مستويات ثلاثة: المستوى المحلي أو الوطني، والمستوى الإقليمي، والمستوى الدولي.

السياسة في مجملها محلية، هكذا هو الاعتقاد. في واقع الأمر فإن القوى الدافعة للثورة المصرية تمثلت في الانتفاضة الجماعية للشباب المصري والتي انضم لها لاحقا كافة أطياف المجتمع، وقد قامت تلك الانتفاضة مدفوعة بإحباط سياسي ويأس اقتصادي ومسعى للعدالة الاجتماعية. ومن الناحية التكنولوجية فق لعبت وسائل الاتصال الحديثة دورا محوريا هاما في حشد وتنظيم الجموع المنتفضة.

ولكن، هل يكفينا أن ننظر فقط للتطورات الحادثة في مصر؟ هل كانت ثورة الخامس والعشرون من يناير لتحدث بدون حدوث انتفاضة سابقة عليها في تونس؟ ماهو دور اللاعبين الدوليين، مثل قناة الجزيرة؟ وماهو تأثير المؤسسات الدولية الديمقراطية مثل مؤسسة فريدريش نومان علي شباب الثوار؟

حتى الانتقال في ألمانيا قد انطلق بفعل الجموع، ولأسباب شبيهة بتلك التي كانت قائمة في مصر، إلا أن العوامل الدولية قد لعبت دورا جوهريا. فلو أن ألمانيا الشرقية الشيوعية كانت مجرد جزيرة منعزلة في وسط المحيط الهادئ، لكان النظام الشيوعي لازال قائما بها حتى الآن. وهذا يأخذني لأن أذكر لكم الدور الهام الذي لعبته قنوات التليفزيون الألمانية الغربية. بالإضافة لعامل رئيس آخر يتمثل في تغير استراتيجيات الإتحاد السوفييتي والذي أعلن عن تبني منهج إصلاحي للبريسترويكا والجلاسنوست.

في عالم تسوده العولمة، كعالمنا اليوم، يعد البعد الدولي بعدًا جوهريا. فلنأخذ الحالة الليبية كمثال: يرى البعض أن القذافي لم يكن ليتم خلعه من السلطة لولا الإعتماد على القوى العسكرية الغربية وقوى الناتو. وفي سوريا فإن نظام بشار الأسد لايزال متماسكــًا بفضل عدم حدوث تدخل عسكري خارجي حتى الآن.

التدخل العسكري ضد أي نظام ديكتاتوري يقود إلى نتائج مختلفة. على الصعيد الدولي يعتبر التدخل العسكري في ليبيا خطوة إيجابية، بينما يختلف الوضع في العراق مع بقاء الإحتلال الأمريكي لفترة طويلة، والذي يقول منتقدوه بأن الدور الأمريكي لم يؤد بأي حال إلى إنجاح عملية الإنتقال الديمقراطي. ومن جهة أخرى، فإن الاحتلال الأمريكي لكلا من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية قد ساعد على ترسيخ اثنتين من أقوى وأنجح الديمقراطيات في العالم.

لماذا إذن نجح التدخل الأمريكي مع هاتين الدولتين ولم ينجح في العراق؟

5- شروط نجاح الانتقال الديمقراطي

يوجد عدد من العوامل الثقافية والمؤسسية اللازمة لإنجاح عملية الإنتقال نحو الديمقراطية، وكلاهما من الممكن استحداثه أو بناؤه من خلال إطار "بناء الدولة" – شريطة توفر الإجماع.

العناصر المؤسسية:

نظام حكومي إداري غير مسيس ونظام قضائي مستقل.

نظام انتخابي يتفادى استحواذ الفائز على كل شيء وعدم حصول الخاسر على شيء.

تعددية سياسية وأحزاب سياسية ديمقراطية قوية، ووسائل إعلام حرة ومسئولة بالإضافة إلى مجتمع مدني يتمتع بالقوة والاستقلالية.

أضف إلى كل ماسبق التطور الاقتصادي والعامل البشري المتمثل في القيادة القوية. إذا ماتحقق كل ذلك فأنت تمتلك كافة العوامل التي من شأنها أن تصنع مقومات نجاح الإنتقال.

يقودنا كل ماسبق إلى مفهوم الثقافة السياسية المتصل بالمؤسسات وأيضا إلى العقلية السائدة لدى المواطنين. فالفرد لا يولد مواطنا بالفطرة، والشعوب تحتاج للتدريب والتثقيف على كيفية المواطنة وعلى التعامل كمواطنين في المجتمع الديمقراطي.

ذلك هو سبب الوجود والهدف الأسمى لمؤسسة كتلك التي أعمل بها. كما أنه يجب أن يكون الهدف الأسمى لوسائل الإعلام والصحفيين في مجتمع يعيش فترة انتقالية شبيهة بتلك التي يعيشها المجتمع المصري.

----------------------------------------------------------------------------------------------------
1 اعتمد في تلك النقطة ومايليها على كتابات جاريث ديل: نماذج الإنتقال الديمقراطي في جنوب ووسط أوروبا: هل تعتبر التجربة الألمانية الشرقية "تحولا" أم "تمزقــًا"؟

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر