المكتبة الليبرالية 


أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
مصر وأوروبا والواقعية السياسية

بقلم رونالد مايناردوس


كان للاضطرابات الداخلية في مصر وأماكن أخرى بالعالم العربي أثرها على العلاقات الدولية، فبعد انتفاضة يناير 2011 اتبعت مصر ما يمكن أن نطلق عليه سياسة خارجية "متعددة الأبعاد" بهدف تقليص الاعتماد أحادي القطب على الولايات المتحدة وباقي حلفاء الغرب. وقد أصبحت تلك المجهودات أكثر وضوحـًا بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي صاحب المرجعية الإسلامية. وقد مثلت زيارة المشير عبد الفتاح السيسي – الرجل القوي – لموسكو ذروة تلك المساعي، حتى أن المعلقون المحليون أطلقوا البشارات بتأسيس تحالف استراتيجي جديد.

المناورات الدبلوماسية التي تنتهجها القاهرة ما هي إلا انعكاس لتدهور علاقاتها مع الشركاء الغربيين التقليديين. ونجد ذلك التدهور متجذرًا في الشقاق العميق بشأن الوضع السياسي في الداخل المصري والذي بدأ مع بداية النظام الحالي في شكل شجار حول الدلالة اللغوية لوصف ما حدث في الثلاثين من يونيو وما تلاه: هل كانت ثورة ثانية كون الحاكم يحظى بدعم شعبي صريح، أم أننا حيال انقلاب عسكري كما يقول الكثيرون في الغرب؟

في رد فعل سريع قال وزير الخارجية الألماني أن الإطاحة بمرسي تؤشر "لانتكاسة كبيرة في المسار الديمقراطي"، وأضاف أن تعليق الجيش للنظام الدستوري هو سابقة خطيرة. غادر غويدو فيسترفيلا منصبه، وتظل كلماته انعكاسا لجوهر المخاوف الأوروبية، جنبـًا إلى جنب مع مطالبة مصر بتبني عملية سياسية تشمل جميع الأطراف. قد لا تتفق الحكومات الأوروبية المختلفة بشأن كافة تفاصيل الشأن المصري، إلا أنه يوجد بينها اتفاق كبير فيما يتعلق بمطالبة بمصر بعملية سياسية شاملة لا تقصي أحدًا. صار مصطلح "العملية السياسية الشاملة" تعويذة تصريحات السياسة الأوروبية، كما أنه حاضرًا بالطبع في الإعلان الأخير لوزراء خارجية الإتحاد الأوروبي الذين أدانوا فيه "عدم وجود عملية شاملة بشكل حقيقي، وغياب محاولات التغلب على استقطاب المجتمع وغلق المجال السياسي أمام الآراء المغايرة". أسف بيان وزراء الخارجية أيضـًا لتدهور وضع حقوق الإنسان، وغياب المناخ المواتي لحرية الصحافة، وتطبيق العدالة الانتقائية على المعارضة السياسية، وكافة الممارسات السيئة التي تقوم بها السلطات المصرية. إعلان وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي في مجمله هو قائمة طويلة من الشكاوى نالت استياء الجميع – كما كان متوقعـًا – إلا أنها لم تحظ برد فعل دبلوماسي من القاهرة، حيث اتهمت وزارة الخارجية المصرية الدول الأوروبية "بسوء التقدير وغض الطرف عمدًا عما يحدث في الواقع".

وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وتبذل الجهود كافة لتفكيك أوصال الجماعة، تحافظ العديد من الحكومات الغربية على التعامل الرسمي مع الإسلاميين. "نحن الأوروبيون نتحدث مع كافة الفصائل السياسية، وجماعة الإخوان المسلمين هي فصيل قوي الصلة. الحوار السياسي هو جزء من العملية السياسية التي تهدف لدمج الفصائل جميعه. كان ذلك اقتباسـًا مما ذكره السفير الألماني في القاهرة، مايكل بوك، في مقابلة صحفية أجراها مؤخرًا ونشرها المحرر تحت عنوان ملائم: "السلام والاستقرار في خطر ما لم يتم دمج جميع المصريين". ظني أن الحكومات الأوروبية لن تتوقف عن الاجتماع من آن لآخر مع الإسلاميين المصريين المنبوذين.

رغم أن الخلاف يبدو عميقـًا بشأن كيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن الشيء الأكيد هو أن الأطراف جميعها في مصر غير راغبة في حدوث أزمة سياسية عميقة. في مصادفة لها دلالاتها قدم مبعوث الإتحاد الأوروبي في القاهرة عرضـًا رسميًا وعلنيـًا للحكومة المصرية باتفاقية تجارية شاملة، وكان ذلك العرض في نفس توقيت اجتماع مجلس الوزراء الأوروبي الذي هاجم مصر بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وأوجه القصور الأخرى. سواء كانت تلك مصادفة أو أي شيء آخر، التقاء الحدثين زمنيـًا يرسل رسائل أوروبية متضاربة للإدارة المصرية، كما أن ذلك التزامن للأحدث يتعارض مع إستراتيجية "قدم أكثر لتنل أكثر" والتي صممت خصيصـًا لتكافئ الحكومات العربية على إتباعهم سلوكًا طيبًا سياسيًا وديمقراطيًا، ومعاقبتهم حال غياب ذلك السلوك بتخفيض مستوى التعاون معهم.

تلك الواقعة هي دليل على عودة أوروبا للأيام الخوالي وعلاقتها الودية بالديكتاتور حسني مبارك حينما كان الروتين الدبلوماسي يقتضي توجيه النقد اللاذع لانتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية، مع عدم فعل الكثير لدعم النهج الأخلاقي بإجراءات عقابية.

لم تتخذ باستثناء حظر بيع جميع "أنواع الأسلحة المستخدمة محليـًا". كما يرى ريم كورتيويغ " قد كان بإمكان الاتحاد الأوروبي أن يتخذ موقفـًا قويًا، كان من الممكن أن يعلق الاتحاد المساعدات أو أن يسحب السفراء أو أن يقدم احتجاجًا رسميًا مشتركًا لوزارة الخارجية المصرية أو حتى يفرض عقوبات اقتصادية على الأصول المملوكة لكبار المسئولين الحكوميين والعسكريين، أو حتى تقييد لتحركاتهم." ويضيف الخبير الأوروبي أنه "بالطبع لايزال بإمكان الاتحاد الأوروبي أني يتخذ أي من تلك الإجراءات إلا أنه من الجلي أن الاتحاد غير راغب في استعداء الحكومة المصرية، فمصر تلعب دورًا هامـًا في الحفاظ على عدد من المصالح الأوروبية مثل تأمين قناة السويس والحفاظ على السلام بين العرب وإسرائيل وأيضـًا الحرب ضد الجماعات الإسلامية المسلحة."

صرح دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى بأن "لن يستغرق الأمر وقتـًا طويلاً حتى تعود العلاقات إلى سابق عهدها مع المصريين". مرة أخرى: منطق هذا "التطبيع" لن يكون سوى الواقعية السياسية، فبعيدًا عن المخاوف الإستراتيجية المذكورة، يجادل "الواقعيون" بأن المصريين قد أخذوا فرصتهم في الديمقراطية بالفعل، وفشلوا بكل أسف، وسيكررون فشلهم إن منحوا فرصة أخرى، كما يجادلون بأن هذه المنطقة من العالم غير مؤهلة للديمقراطية والحكم التشاركي من الأساس. ومع ذلك، فإنهم يعمدون إلى إغفال دورهم ومسئوليتهم، ويرفضون الإقرار بحقيقة أن العالم العربي لن يجد طريقه إلى الديمقراطية طالما ظل العالم الخارجي محجم عن التعامل بجدية مع أعداء الديمقراطية.

هذه المقالة نشرت بصحيفة الديلي نيوز المصرية بتاريخ 22 فبراير 2014

* الدكتور رونالد مايناردوس المدير الإقليمي لمؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، القاهرة.

Twitter @Meinardus

الرجوع للأعلى
 
القائمة الرئيسية
 
 
www.fnst-egypt.org: مؤسسة فريدريش ناومن..من أجل الحرية - مصر