أرشيف المكتبة
-------------------------------------------------------------------------------------------------
فى مواجهة الأصولية
د . أسامة الغزالى حرب
تشهد القوى الليبرالية العربية الآن, ونحن فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين, فرصة تاريخية للنمو والازدهار. غير أن تلك القوى تواجه تحديات صعبة, من بينها قوى الأصولية الإسلامية المتطرفة. إن مواجهة تلك القوى لا تتم بشكل مباشر بقدر ما تتم من خلال الكفاح لإقامة نظام ديمقراطى حقيقى وإشاعة مناخ من الانفتاح الثقافى والوعى بحقوق الإنسان.
إن هذه الرؤية لليبراليين العرب لمنهجية التعامل مع الأصولية الإسلامية المتطرفة هى فى المقام الأول نتاج للخبرة التاريخية فى العالم العربى فى القرنين الماضيين.
فكما هو معروف, كانت الثقافة الإسلامية هى السائدة فى العالم العربى منذ العصور الوسطى وحتى أواخر القرن الثامن عشر. لقد كان معظم العالم العربى واقعا تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية, المسلمة, والتى جسدت الخلافة الإسلامية. غير أن هذا الوضع بدأ فى التغير فى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر بسبب الضعف المتزايد للإمبراطورية العثمانية وبدء ظهور النفوذ الغربى. وفى مصر الواقعة فى قلب العالم العربى, الأكثر سكانا والأقوى نفوذا ثقافيا, كان قيام حكم محمد على باشا فى عام 1805 بداية نهضتها الحديثة, والتى تضمنت انفتاحا مصريا واسعا على أوروبا.
وأرسل محمد على بعثات من الطلاب المصريين النابهين من خريجى الأزهر إلى أوروبا, خاصة فرنسا, وعاد هؤلاء يحملون لأول مرة قيم وأفكار التنوير والليبرالية التى كانت تموج بها أوروبا فى ذلك الحين. ولقد تكرر هذا الالتقاء بين الثقافة الإسلامية السائدة والليبرالية الوافدة من أوروبا فى معظم بلاد المشرق العربى, وشمال إفريقيا, وأدى إلى ظهور أفكار "الإصلاح" الإسلامى التى تركزت حول مفهوم التلاقح والتفاعل بين الإسلام والليبرالية, والتى جسدها رجال عظام عديدون مثل رفاعة الطهطاوى فى مصر, وخير الدين التونسى فى تونس.
غير أن هذا التوجه المستنير والمنفتح من دعاة الإصلاح الإسلامى إزاء الفكر الليبرالى أخذ يتغير بفعل التغيرات السياسية الكبرى فى العالمين العربى والإسلامى, وعلى رأسها انتهاء الخلافة الإسلامية فى تركيا, والاحتلال الأوروبى للبلاد العربية. لقد أدت تلك التطورات إلى ظهور التيارات "الأصولية" الإسلامية, التى حلت محل التيارات "الإصلاحية", والتى رفعت لواء "المواجهة" مع الليبرالية الأوروبية وليس "التفاعل" معها, وتجسد هذا بالذات فى تنظيم وأفكار جماعة الإخوان المسلمين فى مصر التى ظهرت فى العقد الثانى من القرن الماضى.
إن الطابع الديمقراطى شبه الليبرالى الذى طبع معظم أنظمة الحكم العربية -منذ نهاية الحرب العالمية الأولى- "حجم" تلك التوجهات الأصولية. إلا أن التغيرات فى النظام الدولى بعد الحرب الثانية قدمت فرصة ذهبية لازدهار تلك التوجهات الأصولية. لقد نظرت الولايات المتحدة (القوة العظمى التى أخذت تهيمن على المنطقة منذ ذلك الحين) إلى قوى الأصولية الإسلامية كأداة مهمة فى صراعها ضد الشيوعية. وفى الوقت نفسه, فإن نظم الحكم القومية السلطوية التى سادت فى العالم العربى تعاملت بكل قسوة مع تلك القوى الأصولية, مثل غيرها من القوى المعارضة, مما أدى إلى تقوية شوكتها, وازدياد نزوعها نحو العنف, فى الوقت الذى أضعفت فيه كثيرا كافة القوى السياسية الأخرى, وهو ما بدا فى الظهور بشكل واضح منذ أوائل السبعينيات.
غير أن نقطة التحول الأكثر أهمية فى تبلور الأصولية الإسلامية المتطرفة, جاءت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى والمعسكر الشيوعي منذ أوائل التسعينيات, فالولايات المتحدة لم تعد فقط فى غير حاجة إلى رعاية تلك القوى الأصولية, وإنما بدأت تنظر إليها كعدو محتمل, وهو ما بلغ ذروته فى أحداث سبتمبر 2001.
إن المغزى الأساسى لتاريخ الأصولية الإسلامية العنيفة فى العالم العربى هو أن قوتها كانت نتاجا للظروف الدولية المشجعة لها -من ناحية- ولنظم الحكم السلطوية اللاديمقراطية من ناحية ثانية. وفى حين أن التشجيع الخارجى لها قد انتهى, لحسن الحظ, فإن النظم الديكتاتورية لاتزال -للأسف- هى السائدة حتى الآن فى العالم العربى.
وهذا هو جوهر الدرس الذى يعيه الليبراليون العرب جيدا, وهو أن مواجهة قوى الأصولية الإسلامية المتطرفة لا تتم إلا من خلال الكفاح من أجل بناء نظم ديمقراطية حقيقية وفاعلة فى بلادنا.
إن المناخ الديمقراطى, الذى يسمح بازدهار وفاعلية كافة القوى السياسية والثقافية والاجتماعية فى التعبير عن نفسها, هو فقط الذى يحجم قوى التعصب والتشدد. وفضلا عن ذلك, فإن ازدهار التعليم, وتشجيع الانفتاح الثقافى على العالم الخارجى, ونشر مفاهيم حقوق الإنسان بين الأجيال الجديدة من الشباب, تسهم كلها فى احتواء التيارات والقوى الأصولية المتطرفة. وفى الوقت نفسه, فإن هناك جهدا هائلا يجب أن يبذل لتطوير التعليم الدينى, والمعاهد الدينية, وعلى رأسها جامعة الأزهر, للوصول إلى خطاب دينى عصرى ومعتدل, يجسد قيم التعايش والتسامح التى يزخر بها الدين الإسلامى, والتى حاول المتطرفون طمسها وتشويهها. |